محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم )
108
الروض المعطار في خبر الأقطار
شاب له جمة وجميع أعضائه صحاح وكأنه قد كحل بالكحل وبلت شفتاه بالماء من صحة بشرته وبه ضربة في خاصرته . قال محمد بن جرير : وحدّثني بعض أصحابنا ممن شهد أمره أنه جذب شعرة من شعر بعضهم فوجده قوي الأصل نحو قوة شعر الحي . وفي شوال سنة ثمان وخمسين ومائتين غلب على البصرة الدعيّ وكان قد حصرهم في شعبان ورمضان وقتل من أهلها مائة ألف رجل وقتل بعد أن دخلها مائتي ألف وحرق عامتها وهدم المسجد الجامع وحرقه ، وكان أصل هذا الدعي الثائر من البصرة وبها قرأ وتأدب وكان يعلّم القرآن والأدب لبعض أبنائها إلى أن كان من أمره ما كان ، وخرج في خلافة المعتمد وقيل في خلافة المهتدي فلم يخرج إليه المعتمد وبعث إليه الجيوش فهزمها العلوي الدعي واسمه علي ابن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن حسين بن علي ابن أبي طالب رضي اللّه عنهم وعن من انتمى إليهم ، وكان الذي طاوله في تلك الحروب طلحة بن جعفر المتوكل المعروف بالموفق رحمه اللّه ، ثلاث سنين وثمانية أشهر ، إلى أن قتله وسيق رأسه إلى بغداد وطيف به . قال بعضهم : رأيت ذلك اليوم فما رأيت مثله حسنا ، سار الأمير والجيش أمامه وخلفه والرأس بين يديه محمول على الرمح ، وصاعد الوزير معه . وكان قيام هذا الدعي في شوال سنة خمس وخمسين في خلافة المهتدي بالله ، وقيل في صفر سنة سبعين كذا في تاريخ القضاعي ، وفي تاريخ محمد بن سهل أنه قتل سنة إحدى وسبعين ومائتين وهو خارج من مدينته التي سماها المختارة وهي على دجلة على مسيرة يوم من البصرة بالقرب من عبادان ، وسكنها بسودانه الذين جيشوا معه من عبيد أهل البصرة وغيرهم ، كان خرج إليهم من البصرة إلى بواديهم والفهم فأقام معهم بها يقاتل البصرة إلى أن هدمها وحرقها ، وكانت مدته إلى أن قتل ست عشرة سنة ، وكان موته بسهم أصابه في نحره بين الصفين وهو ينشد : لميتة يلقها الإنسان واحدة * خير له من لقاء الموت تارات ولمّا ظفر الموفق بصاحب الزنج قال ابن الرومي يمدح صاعدا الوزير بقصيدة عددها أربع مائة بيت أولها : أبين ضلوعي جمرة تتوقد * على ما مضى أم حسرة تتجدد قال الصولي : ولا نعلم أحدا مدح رجلا بأنه لا يحضر الحرب وينفذ كيده فيها نفوذ الأقدار بأحسن مما قاله ابن الرومي : يظل عن الحرب العوان بمعزل * وآثاره فيها وإن غاب تشهد كما احتجب المقدار والحكم حكمه * عن الناس طرا ليس عنه معرّد ولقد أحسن وإن كان نقله من قول بشار : الدّهر طلّاع بأحداثه * ورسله فيها المقادير محجوبة تنفذ أحكامها * ليس لنا عن ذاك تأخير ثم مدح ابن الرومي فيها صاعدا [ مشيرا ] إلى هذه القصة فأحسن . قالوا : وأقام الرواة يروون حرفا مصحّفا : تهلك البصرة بالريح بعد مائتي سنة حتى جاء صاحب الزنج فعلموا أن صوابه بالزنج بالزاي والنون والجيم . ولصاحب الزنج أشعار أكثرها في الفخر ووجوب القيام لإزالة الظلم وتغيير المنكر . وفيما بين طنجة وفاس من أرض المغرب مدينة يقال لها البصرة « 1 » أيضا كبيرة هي أوسع تلك النواحي مرعى وأكثرها زرعا ولكثرة البانها تعرف بقصر الذبان ، وتعرف ببصرة الكتان ، وكانوا يتبايعون في بدء أمرها جميع تجاراتهم بالكتان ، وتعرف أيضا بالحمراء لأنها حمراء التربة وسورها مبني بالحجارة وهي بين شرفين ولها عشرة أبواب وجامعها سبع بلاطات وبها حمّامان « 2 » ومقبرتها الكبرى في شرقيها في جبل ، وماء المدينة زعاق وشرب أهلها من بئر عذبة على باب المدينة تعرف ببئر ابن ذلفاء ، وخارجها في جناتها عيون كثيرة وآبار عذبة . ونساء البصرة مخصوصات بالجمال الفائق والحسن الرائق ليس بأرض المغرب أجمل منهن . قال أحمد ابن الفتح المعروف بالخراز « 3 » التاهرتي يمدح أبا العيش ابن إبراهيم ابن القاسم :
--> ( 1 ) البكري : 10 ، والاستبصار : 189 . ( 2 ) ص : حمّامات . ( 3 ) البكري : بابن الخراز .